أحمد بن محمود السيواسي

302

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

سورة النحل مكية إلا « وَإِنْ عاقَبْتُمْ » « 1 » إلى آخر السورة « 2 » بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة النحل ( 16 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 1 ) ( أَتى أَمْرُ اللَّهِ ) أي جاء وقرب عذابه ، لأن ما هو آت قريب وهو وعيد للمشركين بيوم القيامة . نزل حين كانوا يستبطئون نزول العذاب بعد قوله تعالى « اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ » « 3 » ، فإنهم قالوا بعضهم لبعض : إن محمدا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض أعمالكم من التكذيب والاستهزاء والكيد حتى ننظر ما هو كائن ، فلما لم ينزل قالوا : ما نرى شيئا فنزل قوله « اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ » « 4 » ، فأشفقوا منه فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فأنزل اللّه أتى أمر اللّه فوثب النبي عليه السّلام ، ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنه أتى حقيقة فنزل « 5 » ( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) أي لا تطلبوا أمر اللّه قبل حينه ، والاستعجال طلب الشيء قبل أوانه فاطمأنوا ، وقيل : المراد من أمر اللّه العذاب بالسيف والمستعجل به النضر بن الحارث حيث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فقتل يوم بدر صبرا « 6 » ، ولما استهزؤا النبي عليه السّلام باستعجال العذاب ولم يأتهم جعلوا أصنامهم شركاء للّه في العبادة ، فنزه تعالى نفسه عن الشرك بقوله ( سُبْحانَهُ وَتَعالى عن ما يُشْرِكُونَ ) [ 1 ] بالياء والتاء « 7 » ، أي تعاظم وتنزه عن إشراك معبوديهم بصفاته الحميدة أو عن الذي يشركون به من الأوثان ، ف « ما » مصدرية أو موصولة ، ولما كان شركهم من جهلهم وموت قلوبهم أراد أن يعلمهم أن العبادة لا يكون إلا بالوحي الموجب لحيوة القلب ورفع الجهل بقوله . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 2 إلى 3 ] يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 3 ) ( يُنَزِّلُ ) بضم الياء وكسر الزاء مخففا ومشددا « 8 » ، والفاعل اللّه والمفعول ( الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) أي بالوحي ، لأنه

--> ( 1 ) النحل ( 16 ) ، 126 . ( 2 ) إلا وإن عاقبتم إلى آخر السورة ، ب م : - س . ( 3 ) القمر ( 54 ) ، 1 . ( 4 ) الأنبياء ( 21 ) ، 1 . ( 5 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 3 / 417 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 227 ( عن ابن عباس ) ؛ والواحدي ، 234 ( عن ابن عباس ) . ( 6 ) أخذه المفسر عن البغوي ، 3 / 417 . ( 7 ) « يشركون » : قرأ الأخوان وخلف بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 178 . ( 8 ) « ينزل » : قرأ المكي والبصري ورويس بالتخفيف ، وقرأ روح بتاء مثناه مفتوحة ونون مفتوحة وزاي مفتوحة مشددة ورفع « الملائكة » ، والباقون بالتشديد وكلهم ينصبون تاء « الملائكة » إلا روحا فيرفعها . البدور الزاهرة ، 178 .